نظرة على العالم مابعد كورونا

كيف سيكون شكل العالم ما بعد الكورونا، هل سنفيق فى صبيحة أحد الأيام لنسمع إعلان الحكومة عن انتهاء الأزمة فيعود كل شىء إلى ما كان عليه قبل بداية مارس الجارى: زحام فى الأسواق والمولات والمراكز التجارية، قعدات شيشة على المقاهى، انفصال اجتماعى فى ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعى، تلويث للكوكب وعدم اكتراث بالمستقبل..

أم أن الأزمة ستترك بصماتها على حياتنا، وتجعلنا نغير من نمط حياتنا؟ جاء فيروس كورونا ليمنح كوكب الأرض استراحة محارب، ويجعله يتنفس بعيدا عن ممارسات البشر، جاء الفيروس ليمنح الأسر فرصة للتواصل والجلوس معًا، بعد حديث طال عن انقطاع التواصل فى زمن الإنترنت، ولكنه أيضا جاء حاملاً ثقافة كان البعض يدعو إليها ويبشر بأنها المستقبل، وهى العمل عن بعد، وإعادة اكتشاف الشبكة العنكبوتية كوسيلة للعمل، وأن كثيرًا من الأعمال يمكن أن تؤدى من المنزل، دون حاجة لمكاتب وشركات، أعاد الفيروس التأكيد على أهمية النظافة الشخصية، كوسيلة للوقاية من الأمراض. بالتأكيد سيتغير شكل العالم بعد الكورونا، فنحن نعيش أجواء الحروب، لكن الحرب هذه المرة من نوع مختلف، حرب يشارك فيها العالم كله، وسيعانى من تأثيراتها العالم كله، خاصة على المستوى الاقتصادى، لكن ربما نكسب منها اجتماعيا، إذا استفدنا من العادات الجديدة التى فرضتها الكورونا على الشعوب. كتبت فى المقال الماضى عن أزمة الثقة بين الدولة والمواطن، وبين وسائل الإعلام والمواطن، والحمد لله، بذلت الحكومة على مدار الأسبوعين الماضيين جهودا كبيرة حظيت بإشادة الجميع، فيما يبدو أنه بداية لإعادة بناء جسور الثقة بين المواطن والحكومة، اتخذت الدولة خطوات محسوبة، بالتنسيق مع الجهات الدولية المختصة، والأهم أنها اعتمدت مبدأ الشفافية وإتاحة المعلومات.

طبعا لم يمنع ذلك الشائعات، فى ظل انتشار مواقع التواصل الاجتماعى التى تسمح لكل من يملك هاتفًا ذكيًا متصلاً بالشبكة العنكبوتية أن يطلق نظرياته الخارقة لتفسير الأحداث، وهى آفة عالمية ليست مرتبطة بمصر فقط، لكن على الأقل كانت المعلومات التى توفرها الحكومة وسيلة فعالة لمواجهة هذا السيل الجارف من المعلومات المضللة ونظريات المؤامرة. قامت الحكومة بواجبها حتى الآن ومازالت تتخذ خطوات متتالية، وتركت الكرة فى ملعب المواطن الذي اتضح أنه يفتقد للوعى، وأن كل مطالبه بتوفير الرعاية الصحية، وإغلاق المدارس ومنع الشيشة، ما هى إلا مطالبات إلكترونية، أما نظرة واحدة على الأسواق الشعبية ومراكز التسوق تجعلك تتأكد أن الأزمة الحقيقية هى أزمة وعى وثقافة. وأتمنى أن ينتهز الإعلام الفرصة، ويؤدى دوره بمهنية فى معالجة الأزمة، فى محاولة لاستعادة الجمهور المفقود، فهذه فرصة لن تتكرر، وأعتقد أن عالم ما بعد الكورونا سيغير نظرتنا للدولة والإعلام والمواطن، وربما يكون بداية لعهد اجتماعى جديد.

بالنسبة للأمريكيين الآن، فإن حجم أزمة فيروس كورونا يستدعي إلى الذاكرة أحداث الـ11 من سبتمبر/أيلول والأزمة المالية العالمية عام 2008، وهي أحداثٌ أعادت تشكيل المجتمع بطرق دائمة، بدءاً من طريقة سفرهم وشرائهم للمنازل، ووصولاً إلى معدلات الأمن والرقابة التي اعتادوها، وانتهاءً باللغة التي باتوا يستخدمونها.

إذ إنّ الفيروس العالمي الجديد الذي يُبقينا مُحتجزين في منازلنا -ربما لأشهر- بدأ بالفعل في تغيير علاقتنا بالحكومة، والعالم الخارجي، وبعضنا البعض. وربما تبدو بعض التغييرات التي يتوقّعها أولئك الخبراء في غضون بضعة أشهر أو سنوات، غير مألوفة أو مُقلقة: هل يُصبح التلامس أمراً مُحرّماً؟ ما الذي سيحدث للمطاعم؟

لكن أوقات الأزمة تمنحنا فرصةً أيضاً من أجل: استخدام تكنولوجيا أكثر تطوّراً ومرونة، وإعادة إحياء تقديرنا للأماكن العامة ومُتَع الحياة البسيطة الأخرى. ولا أحد يعلم ما سيحدث على وجه التحديد، ولكن إليكم أفضل ما توصّلنا إليه في دليلٍ حول السُّبل غير المعروفة التي سيتغيّر بها المجتمع والحكومة والرعاية الصحية والاقتصاد وأساليب الحياة وأكثر.

فعل الأمور بصفةٍ شخصية سيصير خطيراً (ديبورا تانين)

علّمتنا الأزمة المالية العالمية عام 2008 أنّنا يُمكن أن نُعاني من كوارث العصور الماضية، مثل انهيار الاقتصاد إبان فترة الكساد الكبير. والآن، باتت جائحة الإنفلونزا عام 1918 شبحاً يُخيّم بظلاله على حياتنا أيضاً.

وفقدان البراءة أو الرضا عن النفس طريقةٌ جديدة للوجود في العالم، ويُمكن أن تُغيّر طريقة تعاطينا معه. إذ بتنا نعلم أنّ لمس الأشياء، والوجود مع أشخاصٍ آخرين وتنفُّس الهواء نفسه داخل مكانٍ مُغلق، تنطوي جميعها على مُخاطرةٍ كبيرة. وستختلف سرعة تراجع هذا الوعي من شخصٍ إلى آخر، لكنّها لن تختفي بالكامل بالنسبة لأيّ شخصٍ سينجو هذا العام. وربما يتحوّل الإحجام عن المصافحة أو لمس الوجوه إلى جزء من طبيعتنا، وربما نرِث جميعاً متلازمة الوسواس القهري على مستوى المجتمع، لأننا لن نستطيع التوقّف عن غسل أيدينا.

وربما نجد أن راحة الوجود مع الآخرين قد حلّت محلها راحةٌ أكبر في الغياب عنهم، خاصةً مع الأشخاص الذين لا نعرفهم عن قرب. وسنتوقّف عن طرح سؤال “هل هناك سببٌ لفعل ذلك عبر الإنترنت؟”، لنسأل: “هل هناك سببٌ لفعل ذلك بصفةٍ شخصية؟”، وربما نحتاج إلى تذكير وإقناع بالأسباب. ولسوء الحظ، وإن كان غير مقصود، فإنّ الأشخاص الذين لا يمتلكون اتصالاً سهلاً بالإنترنت سيصيرون أكثر حرماناً، وستكبر معضلة التواصل عبر الإنترنت: إذ ستخلق مسافات أكثر وتواصلاً أكبر في الوقت ذاته، لأنّنا سنتواصل أكثر مع أشخاصٍ بعيدين عنا، ويشعرون بأمانٍ أكبر، نتيجة تلك المسافة.

نوع جديد من الوطنية (مارك لورانس شراد)

لطالما ربطت أمريكا، وغيرها من الدول، الوطنية بالقوات المسلحة، ولكنّك لا تستطيع إطلاق النار على فيروس. لكن الموجودين على الخطوط الأمامية في المعركة ضد الفيروسات ليسوا مُجنّدين أو مرتزقة أو جنوداً؛ بل هم الأطباء والممرضون والصيادلة والمعلمون ومقدمو الرعاية وعمال المتاجر والمرافق ومُلاك الشركات الصغيرة والموظفون، وعلى غرار لي وينليانغ والأطباء الآخرين في ووهان، أرهقت المهام الغامضة كثيرين، فضلاً عن زيادة مخاطر التلوّث والموت التي لم يدخلوا مجال الطب من أجلها.

وفي نهاية المطاف، ربما سنُعرّف تضحياتهم على أنّها وطنية، ونُحيّي الأطباء والممرضين، وننحني أمامهم قائلين: “شكراً على خدمتكم” كما نفعل الآن مع قدامى المُحاربين العسكريين. وسنضمن لهم المزايا الصحية وخصومات الشركات، وسنبني لهم التماثيل، ونُقيم العطلات احتفاءً بهذه الطبقة من الناس التي تُضحّي بصحتها وحياتها لإنقاذ حياتنا. وربما سنبدأ أخيراً في تفسير الوطنية على أنّها رعاية صحة وحياة مجتمعك، بدلاً من تفجير مجتمعات الآخرين. وربما سيكون نزع الطابع العسكري عن الوطنية وحب المُجتمع هو إحدى الفوائد التي سنخرج بها من هذه الفوضى العارمة.

انخفاض الاستقطاب (بيتر كولمان)

الصدمة غير العادية التي جلبتها جائحة فيروس كورونا على نظامنا يُمكن أن تكسر النمط التصاعدي للاستقطاب السياسي والثقافي المستمر في دولٍ مثل الولايات المتحدة منذ أكثر من 50 عاماً، وربما تساعدنا جميعاً على تغيير المسار في اتجاه التضامن والوظيفية الوطنية أكثر، وربما يبدو الأمر مثالياً أكثر من اللازم، ولكن هناك سببان يدفعان إلى اعتقاد إمكانية حدوث ذلك.

أوّلهما هو سيناريو “العدو المُشترك”، حيث يبدأ الناس في تجاوز اختلافاتهم حين يُواجههم تهديدٌ خارجي مُشترك. ويمنحنا “كوفيد-19” عدواً هائلاً لا يُفرّق بين الأبيض والأسود، وربما يمنحنا طاقةً تُشبه الاندماج، ويُوحّد أهدافنا ليُساعدنا على إعادة التنظيم والتجمع. فإبان قصف لندن، خلال الحملة النازية ضد بريطانيا، لمدة 56 يوماً، اندهشت حكومة ونستون تشرشل وتشجَّعت حين شهدت صعود الخير البشري، وخصال مثل الإيثار والتعاطف وسخاء الروح والعمل.

والسبب الثاني هو سيناريو “موجة الصدمة السياسية”. إذ أظهرت الدراسات أنّ أنماط العلاقات القوية الدائمة تصير أكثر عرضةً للتغيير بعد أن يتزعزع استقرارها نتيجة صدمةٍ كُبرى. وهذا لا يحدث فوراً بالضرورة، إذ إن دراسةً أُجرِيَت على 850 نزاعاً مُستمراً بين الدول بين عامي 1816 و1992، وجدت أنّ أكثر من 75% منها انتهت في غضون 10 أعوام من حدوث صدمةٍ كبيرة مُزعزعة للاستقرار. ويُمكن أن تندلع الصدمات المجتمعية بأساليب مُختلفة، لتجعل الأمور أفضل أو أسوأ. ولكن بالنظر إلى معدّلات التوتر الحالية؛ يشير هذا السيناريو إلى أنّ الآن هو الوقت المثالي للبدء في الترويج لأنماطٍ بنّاءة أكثر في خطابنا الثقافي والسياسي. ومن الواضح أنّ وقت التغيير قد حان.

تراجع الفردية (إيريك كلينينبرغ)

تُمثّل جائحة فيروس كورونا نهاية علاقتنا الرومانسية بمجتمع السوق والفردية المُفرطة. وربما نتحوّل في اتّجاه الاستبداد. إذ يُمكن أن نتخيّل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وهو يُحاول تعليق انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني مثلاً. ويُمكن أن نُفكّر في احتمالية شنّ حملة قمع عسكرية. وسيناريو المدينة الفاسدة هذا حقيقيٌّ للغاية. لكنّني أعتقد أنّنا سنمضي في الاتجاه المُعاكس. فنحن نشهد الآن فشل نماذج التنظيم الاجتماعي القائمة على السوق، بشكلٍ كارثي، في حين تزيد سلوكيات تفضيل الذات من خطورة هذه الأزمة بدرجةٍ أكثر من اللازم.

وحين ينتهي ما نمُر به، سنُعيد توجيه سياساتنا ونُدخِل استثمارات كُبرى جديدة في المنافع العامة -مثل الصحة تحديداً- والخدمات العامة. ولا أعتقد أنّنا سنصير أقل جماعية. بل العكس، ستزداد قدرتنا على رؤية الكيفية التي ترتبط بها مصائرنا. إذ أصير مُعرَّضاً لمخاطر أكبر حين أتناول الهمبرغر من مطعم رخيص لا يمنح موظفيه إجازات مرَضية مدفوعة الأجر، أو بسبب الجار الذي يرفض البقاء بالمنزل في أثناء الجائحة، لأنّ مدرستنا الحكومية فشلت في تعليمه مهارات التفكير النقدي والعلوم. وسينهار الاقتصاد -والنظام الاجتماعي الذي يدعمه- في حال لم تضمن الحكومة دخل ملايين العاملين الذين سيفقدون وظائفهم نتيجة حالة ركود أو كساد كبير. وسوف يفشل الشباب في حال لم تُساعد الحكومة على تخفيض أو إلغاء ديون الطلاب. سوف تُسبّب جائحة فيروس كورونا قدراً هائلاً من الألم والمُعاناة. لكنّها ستُجبرنا على إعادة النظر في هويتنا والأشياء التي نُقدّرها، ويُمكن أن تُساعدنا على المدى البعيد في إعادة اكتشاف نسخةٍ أفضل من أنفسنا.