ذاكرة مراكش : من تاريخ الماء وأساليب الري والتوزيع بمراكش

حسن جلاب

موقع مراكش: اختار المرابطون هذا الموقع لبناء المدينة لأسباب عديدة أهمها: طبيعته شبه الصحراوية، فمن جملة ما وصف به الأشياخ المكان المتفق عليه للأمير قولهم: (قد نظرنا لك موضع صحراء لا أنيس به إلا الغزلان والنعام، ولا تنبت إلا السدر والحنظل ) (1).
 فالغزلان تناسبهم، والسدر يناسب أنعامهم.
 وردوا على من اقترح عليهم من سكان أغمات البناء عند نهر تانسيفت (نحن من أهل الصحراء    ومواشينا معنا لا يصلح لنا السكن على الوادي ...) (2). 
 وقد لاحظ لامرتينير (LAMERTINIER) أن الدول التي اتخذت مدينة مراكش عاصمة لها ترجع أصولها إلى الصحراء فهي شبيهة في طبيعتها ببلادهم. (3)
 و سيكون لهذا المناخ الحار الشبه صحراوي أثر على المدينة وسكانه فمعدل التساقطات لا يتعدى 243 ملمتر، في السنة مع جفاف تام مرة كل ثلاثة ســــــنوات. (4)
أشار صاحب الاستبصار لذلك بقوله (كانت قبل ذلك -أي مراكش- يطير الطائر حولها فيسقط من العطش من العطش و الرمضاء).(5)
والظاهر أن المرابطين لم يفكرو في الجانب الفلاحي والغذائي للسكان لتعودهم حياة الشظف والصحراء، بل اهتموا بالمناخ المناسب أولاً، ثم الموقع الإستراتيجي ثانياً. وقد أدركوا أن (زمام جبل درن بيد أميرها طول زمانها ).(6)
وفي النصوص ما يشير إلى أنهم اعتمدوا في تأمين غذاء سكانها على المنطقة أساساً. فقد قال ابن عذاري:
 ( فنظروا له ذلك الموضع لكي يكون وادي نفيس جنانها، ودكالة فنائها).(7)

مشكلة الماء: ستطرح منذ تجمع جيوش المرابطين في المدينة في انتظار استكمال توحيد البلاد، لأن الإسلام دين نظافة و طهارة. وسيبدأ الأمر في التعقيد مع الشروع في بناء قصر الحجر، والدور الخاصة. وعند ابن أبي زرع أن الناس اتجهوا إلى حفر الآبار للتزود بالماء.(8)
 إلا أن الأزمة قد بلغت حدها عندما ارتفع عدد السكان بعد توحيد المغرب والأندلس وتحول المدينة إلى عاصمة لإمبراطورية عظيمة فسيحة الأرجاء، وعندما عزم علي بن يوسف على بناء المسجد والأسوار فكان لابد من أسلوب آخر غير أسلوب الآبار.
 من البئر إلى الخطارة:
 فكر المرابطون في جر الماء من وادي وريكة وبدأوا في ذلك فعلاً، (مشروع سينفذه الموحدون).ولعل توقفهم عن ذلك عائد إلى استخراج المهندس الأندلسي عبيد الله بن يونس لنظام الخطارات بمراكش.
 وقد تحدث صاحب وصف إفريقيا عن هذا النظام بإعجاب، فقال: ( إن هذا الرجل المذكور ... جاء إلى مراكش في صدر بنائها و ليس بها إلا بستان واحد لأبي الفضل مولي أمير المسلمين- المقدم ذكره-فقصد إلى أعلى الأرض مما يلي البستان فاحتقر فيه بئراً مربعة، كبيرة التربيع، ثم احتفر منها ساقية متصلة الحفر على وجه الأرض ومر يحفر بتدريج من أرفع إلى أخفض متدرجا إلى أسفله بميزان حتى وصل الماء إلى البستان وهو منسكب على وجه الأرض يصب فيه، فهو جار مع الأيام لا يفتر...
 فاستحسن أمير المسلمين من فعل عبيد الله بن يونس المهندس وأعطاه مالاً و أثوابً وأكرم مثواه مدة بقائه عنده، ثم إن الناس نظروا إلى ذلك، ولم يزالوا يحفرون الأرض ويستخرجون مياهها إلى البساتين والجنات، واتصلت بذلك عمارات مراكش، وحسن قطرها ومنظرها).(9)
 وإذا تجاوزنا الخلافات البسيطة حول اسم هذا المهندس (عبيد الله أو عبد الله) وأصله (عربي صحراوي، أو أندلسي...) فإن المؤكد حسب الوثائق التاريخية - أن هذا النظام كان موجودا من قبل في الحجاز وإيران وأرمينيا وتوات وتافيلالت. كان الطوارق يسمونه (افلي) والأمازيغ ( أفري)، ووجدت شبكة من الخطارات في موقع مدينة مدريد.(10)
 وكانت الخطارة تطلق في الأندلس على عملية رفع الماء من الوادي بواسطة آلة رافعة أو عجلة أو أرجوحة.
 لابد من توفير شروط لشق الخطارة:(11)
1- وجود شبكة مياه غير عميقة.
2- عدم وجود منحدر كبير.
3- أن تكون التربة من النوع القابل لتسرب المياه.
 وتكون الخطارات القريبة من الأنهار أقصر، وأقل عمقاً. ومع الابتعاد عنها -أي الأنهار- تزيد الخطارة طولا و عمقاً.
 ويتراوح طول الخطارة بمراكش بين خمسمائة متر وخمسة كلمترات. وقد تصل آبارها المفتوحة للترميم والصيانة إلى ثلاثمائة بئر، يبعد الواحد عن الآخر بحوالي عشرة إلى عشرين متراً.(12)
يتجمع ماء الخطارات في صهاريج كبيرة لاستغلاله عند الضرورة لأنها دائمة السيلان ليل نهار، ومنها يوزع على الأجنة و العراصي بواسطة المصاريف، وعلى الحمامات والمساجد والدور الخاصة بواسطة "القواديس"  الفخارية.
 ويلاحظ أن المنطقة الشرقية من المدينة عرفت أكثر من الغربية نظام الآبار والخطارات، ولعل السبب في ذلك عائد إلى توفر ضمانات أكثر للملكية في هذه المنطقة.
 وبالرغم من ظهور أساليب أخرى للري والتوزيع بقي للخطارات سحرها وروعتها، فاستمرار الاهتمام بها، حتى إن بول باسكون ((P.Pascon قد أحصى في منطقة الحوز خمسمائة خطارة، عرفت المدينة منها خمس عشرة ومائة خطارة، تتوزع كالتالي:
-98 عمقها أكثر من عشرين متراً.
-17 عمقها أقل من عشرين متراً (13).
و الخطارات ثلاثة أنواع:
1- الكبيرة: أكثر من كلمترين طولاً ، وهي في ملكية الدولة ( أو المعمرين في فترة الحماية).
2-  متوسطة: طولها حوالي كلمترين بصبيب بين 10 و 20 لتراً في الثانية. وتكون في ملكية الأحباس العامة لتزويد المساجد والحمامات والدور بالماء أو في ملكية بعض أغنياء المدينة لسقي حقولهم وعراصيهم و رياضاتهم.
3-  الصغيرة: وطولها حوالي خمسمائة متر بصبيب لا يتعدى خمسة لترات في الثانية وهي في ملكية الخواص أو الأحباس الخاصة.(14)
و تذكر المصادر 18 عيناً من العيون الكبرى التي تزود خطارات مراكش بالماء، تضاف إليها مئات العيون الصغرى التي تشير إليها الظهائر وحوالات الأحباس الخاصة والعامة والكناشات العلمية وكتب النوازل.
فمن الخطارات التي تملكها الدولة:
أ‌- تلك التي تروي أكدال، ودار المخزن (إضافة إلى سواقي الموحدين ) وعيونها هي: عين للاشافية، عين الدار، عين البادرة القديمة، عين البادرة الجديدة، عين سيدي موسى و عين الزمزمية.
ب‌-  عين المامونية: تجاور عين المزوضية الداخلة من باب الرب، وهي تسقي عراصي المامون بن محمد بن عبد الله داخل باب الرب.(15)
ج- خطارات أحريللي: أحر يللي من أكبر عراصي مراكش خارج باب دكالة، ومن أكثرها عيوناً، وقد كانت في ملكيات خاصة ثم اشترى المولى عبد الرحمان أغلبها بين سنتي 1266 و1267 هـ، وهي: ( عين دادة، عين هنتانة، عين حميدة مول أتاي، عين بوستة، عين الجبابدي، عين البقال، عين بوشارب، عين الجاوصية، عين البكار، عين فريمة، عين بن بلا، عين حمو بن سالم، عين الصواف).(16)
ولجمال هذه العرصة و كثرة مياهها يذكرها عيط الدقة المراكشية :
آ الشبان را العـام زيــان        نمشــو لنــزاهــا ونكيمــــو
فابـــاط سليمـــــان              النــــزاهــا وقـــت النــوار
فــــاحريللي واحر يللي          سيــدي ربـي نرجـاك يــا العالي
           يزيـان حوزنـا ترخـاص كل أمـالي 
د- عين أبي عكاز خارج باب الطبول بمراكش: أحياها محمد بن عبد الرحمان العلوي وأقام المزارع حولها، وشيد قلعة يأوي إليها الحراثون بأنعامهم ومواشيهم، واعتنى بتربية الخيول فيها،  وكانت تسمى قلعة الماشية. (17)
 ومن خطارات الأحباس العامة:
عين المواسين: رأسها بأكدال، وتدخل المدينة من باب الرب، صبيبها 30 لترا في الثانية.
عين البركة: منطلق من شمال تسلطانت، وتمر عبر أكدال لتدخل المدينة من باب أحمر، صبيبها 20 لتر في الثانية.
 ج- عين القبة ( المعروفة بالعباسية ): تنطلق من سيدي عمارة و تحاذي السور الغربي للمدينة لتدخل من باب دكالة، صبيبها 10 لترات في الثانية .
 وهذه العيون معدة أساساً لتزويد الحمامات والمساجد والسقايات والدور بالماء. ويتم ذلك بواسطة "قواديس" فخارية يتراوح طولها بين 30 و40 سنتمترا،ً وقطرها بين 10 و15 سنتمتراً تتخلل مسيرته مراكز إصلاح وصيانة تسمى "المعبدة "، وذلك لتنظيفها واكتشاف مواقع الخلل فيه، وترتفع عن سطح الأرض بنحو المتر الواحد، وتبقى مغلقة  فلا تفتح إلا عند وقوع الخلل، تدخل هذه القواديس إلى الحمامات والدور والمساجد وتملأ صهاريجها في أوقات معلومة من الأسبوع وذلك بحسب أهمية العقار. ويشرف على هذا التوزيع ناظر أحباس المدينة.
 د-  عيون أقل أهمية تملكها الأحباس منها: 
- عين تاصاغت خارج باب الدباغ: للأحباس فيها نوبتان.
- عين بو تودة خارج باب هيلانة: للأحباس فيها نوبتان.
 - عين جنان أمرشيش خارج باب دكالة، للأحباس فيها نصف نوبة.
 ومن خطارات الأحباس الخاصة: وهي الحباس الخاصة ببعض الزوايا أو الأسر والأضرحة، ولا نريد الإطالة بالحديث عنها وإنما نضرب لذلك أمثلة:
أ‌- فمن المحبسات الخاصة بأبي العباس السبتي: النصف من خطارة حميدة بن مومن، وأربع نوب من عين الكرنة، ونوبتان من عين أزدو، ونوبة من عين مولاي زيدان، وربع نوبة من عين إيطي خارج باب الخميس. (18)
ب‌-  من محبسات ضريح الجزولي: نصف عين الإفراني خارج باب الدباغ. (19)
ج- من محبسات الزاوية البوعمرية، وهي من أغنى الزوايا بالمدينة، تمتلك:
- عين سيدي عباد: منبعها داخل المدينة بعرصة إيهيري وتنتهي إلى صهريج سيدي عباد خارج باب دكالة.
- نوبتان من عين تدقا خارج باب الخميس....
 ولهذه الزاوية غير ذلك من العيون والعراصي، (20).
 أما الخطارات الخاصة، فلا يمكن الإلمام بها كلها، لذلك نكتفي بالإشارة إلى أهمها:
أ‌- عين ابراهيم وابراهيم: تنبع من مقبرة السهلي عبر حي سيد ميمون وتمر بالحارة خارج باب دكالة لتنتهي إلى بلاد أحمد السوسي، وتسقي مجموعة من العراصي الخاصة: أماغوس- عرصة تمجا- عرصة العباسي- عرصة العمري- عرصة سينكو.
ب‌- وهناك عيون مهمة تخرج من جهة باب الخميس لسقي أراضي خاصة في ضاحية المدينة وهي المرستان -قاوقاو - ابن السالك- تالوجت- أمرشيش. (21)
عيون الخطارات: حل المرابطون مشكل الماء بواسطة الخطارات التي حولت المنطقة من صحراء قاحلة إلى جنة خضراء انتصبت فيها أشجار الغلل بأنواعها، و انتشرت الخضرة والمروج. فتمكنت ضاحية المدينة من إنتاج الحبوب والخضر والفواكه والزيوت ومع ذلك لم يخل هذا الأسلوب من بعض العيوب، أهمها:
أ‌- أن الخطارات دائمة السيلان ليل نهار وفي كل الفصول لا يمكن التحكم في مائها مما يؤدي إلى سوء الاستعمال والضياع.
ب‌- أن استغلالها يحتم حفر خزانات وصهاريج لحفظ المياه مما يؤدي إلى ارتفاع نفقاتها 
ج- أنها معرضة للتلوث بما يسقط في آثارها العديدة من قاذورات وأوساخ الشيء الذي يتطلب صيانة مستمرة. 
- أسلوب الساقية:
استفاد الموحدون من أسلوب الري والتوزيع الذي أقامه المرابطون إلا أنهم كانوا بحاجة ماسة إلى الماء، تفوق حاجة سابقيهم. فمبدأ "تعميم الخلافة" من عناصر العقيدة الموحدية، ولا يمكن أن يتحقق هذا التعميم دون قوة اقتصادية (فلاحية وصناعية) وعسكرية (السيادة على البحار)، فكانت الحاجة إلى الماء للري ولتعليم طلبة "المدرسة المومنية" أساليب العوم والتجذيف في الصهاريج التي ستبنى لهذا الغرض قبل التحاقهم بالسقي في البحار والمحيطات.
وقد تمكنت أودية حوض الحوز، و جبال الأطلس، خزان المياه – من تحقيق ذلك، وخاصة أودية نفيس، غيغاية وأوريكة التي تصب في تانسيفت:
1- لما تولى عبد المومن مقاليد الحكم أنجز المشروع الذي فكر فيه المرابطون وهو جلب ماء الأطلس، فمد ساقية تسلطانت (ساقية السلطان) من وادي وريكة. وحفر نوعين من الصهاريج:
أ- وسط «البحائر" لتزويدها بالماء قصد سقي المزروعات والأشجار كصهريج أكدال الذي كان يسقي عراصي: أكدال، وجنان العافية، وجنان السمارة، وذكر صاحب البيان المغرب أسماء عراصي أخرى: كعرصة الطلبة، وجنان الناعورة. كما أشار العمري في مسالك الأبصار إلى صهريج "أقنا" (صهريج كناوة) بالقرب من أكدال.(22)
وفي الاستبصار والحلل الموشية أن ضلع صهريج عبد المومن3 أميال، وأن مبيعات زيتون وفواكه عراصيه قد بلغت 30 ألف دينار مومنية مع رخص الفاكهة بمراكش.(23)
وقد شيدت على جنبات هذه الصهاريج منتزهات وقصور للراحة والاستجمام: كدار الهناء بأكدال، وقصر ابن جامع الوزير الموحدي، ومنتزه المنارة....
ب - صهاريج لتدريب الطلبة على العوم: أهمها في عهد عبد المومن صهريج البقر، وصهريج المنارة خارج باب الرب.(24)
2- في سنة 585 هـ أجرى يعقوب المنصور ساقية "اليعقوبية" طاهرة تشق المدينة من القبلة إلى الجوف، وأنشأ عليها السقايات لسقي الخيل والدواب واستـــــــقاء الناس. (25)
تمكن الموحدون بذلك من سقي منطقة طولها عشرون كلمتراً و عرضها عشر كلمترات جنوب المدينة (26) فإذا أضيفت إلى أسلوب الآبار والخطارات التي بقي معمولا صبه كذلك تبينت الأهمية الفلاحية التي أصبحت للمدينة و ضاحيتها.
- بعض عيون السواقي: لايخلو أسلوب الساقية بدوره من عيوب، منها:
أ – التبخر والضياع، و خاصة في فترات الحرارة حيث تشتد الحاجة إلى الماء.
ب – السرقة و تحويل اتجاهها قبل وصولها إلى صهاريج المدينة.
ج – الصراعات القبلية: كان الماء (السواقي خاصة) مصدر صراع دائم بين الفلاحين، مما أدى إلى ظهور أعراف وقوانين محلية لحل مشاكل التوزيع والسرقة.... وكان لشيوخ الزوايا الدور الكبير في حل هذه الخلافات .
ولم تنج سواقي الدولة من هذا الصراع وخاصة تاسلطانت التي كانت قبائل مسفيوة تطالب بها لمرورها بأراضيها وقد بلغ الصراع حدته في بعض الفترات التاريخية: كانوا على عهد محمد بن عبد الله العلوي يعمدون إليها بالليل فيفرغونها على جناتهم ومزارعهم إلى أن جاء المولى سليمان فأعياه أمرهم وأقطعهم إياها على ألف مثقال يؤدونها كل سنة. ولما تولى السلطان المولى عبد الرحمن انتزعها منهم رغماً عليهم وأعاد مياهها إلى صهاريج مراكش.(27) 
 و للشاعر ابن إدريس العمراوي قصيدة طويلة في الموضوع مطلعها: 
 وردت و كان لها السعود مواجهـــا  والحسن مقصور على أمواجهــا (28)
- ملاحظات على هذه الوسائل:
1- بقيت هذه الوسائل مستعملة إلى مشارف القرن العشرين مع محاولة الرفع من مردوديتها:
أ – عن طريق تعميق الآبار والإستعانة بالحيوانات وأغرور أو السانية لجذب الماء.
ب – صراع مع الخطارات لصيانتها وتنظيفها والرفع من مستوى صبيبها.
ج – تعميق السواقي وتقويم مسارها و الزيادة في تفريعاتها (المصارف، أبدو، الربطة... ) و قد ابتكر المغاربة نظاماً دقيقاً لتوزيع مياهها:
- النوبة: وتحددها أهمية صبيب الساقية، ومدتها يوم وليلة، تنقسم إلى فرديتين: فردية بيضاء (النهار) وفردية سوداء (الليل).
و تنقسم الفردية بدورها إلى أسهم بعدد المستفيدين منها.
 وبهذا الأسلوب كان الماء يوزع ويباع ويشترى.
 2 – لقد مرت المدينة وضاحيتها بفترات من الجفاف والقحط، فلم يكن من سبيل لتجاوزها إلا بالاستمرار في الاعتناء بهذه الوسائل العتيقة وطرق أبواب الممكن والمستحيل: الأولياء وكراماتهم، (كرامات أبي العباس السبتي في الاستسقاء)(29). إلا أن عطاءاتها لم تكن في مستوى حدة القحط أحياناً، ونمثل لذلك بسنوات 617هـ، 624 هـ، 630هـ، 923 هـ، 926 هـ، 929هـ، 948 هـ، 1022هـ، 1060هـ، 1070هـ، (عام كروم الحاج) 1159، 1193 هـ (30) فما كان منهم إلا اعتماد أسلوب أكثر نجاعة: 
- عبد العزيز التباع: اشتغل بالفلاحة ورعاية بستان شيخه السهلي مدة طويلة.
- عبد الكريم الفلاح، (سمي بالفلاح لاهتمامه بالفلاحة كان يشق السواقي ويحفر الآبار ويجهز الأراضي الفلاحية وكلامه (سأغرس في موضع كل سدرة شجرة، ولا يزال مراكش يعمر حتى يباع معطن البقرة بقيمة البقرة).(31)
- أبو عمرو المراكشي: سار على نهج شيخه السابق الذكر فكان من المهتمين باستصلاح الأراضي والبحث عن الماء وكان من أعظم مالكي الأراضي الفلاحية في الحوز (أغواطيم) وبضاحية المدينة (سيدي عباد، المخالص، التيايز، البطم،  وقسم من أحريللي...)
- عبد الله الغزواني: اهتم بدوره بالفلاحة سيراً على نهج شيخه التباع. وكان يحفر الآبار ويستصلح الأراضي والسواقي وقد وجه مريديه وتلاميذه في هذا الاتجاه وعينهم بمنطقة الحوز للاهتمام بها، عبد الله بن حسين الأمغاري دفين تمصلوحت وعبد الله بن ساسي بالحوز.
3 – كانت المياه والسواقي موضوع مراسلات مخزنية وظهائر الإنعام والتكريم، والاحترام والتوقير ولا نريد الإفاضة في هذا الموضوع، ونكتفي بالإحالة إلى:
أ - محفظة خاصة بالوثائق البوعمرية تتعلق بمراسلات حول ساقيتي توريكت وترزنيت الطالع ماؤهما من وادي غيغاية وماء عين تدقا وماء التوايز وماء تلجاسين، وماء تالعينت.... وغيرها من العيون.(32)
 ب – ظهائر سعدية وعلوية حول مياه الزاوية الأمغارية بتمصلوحت. (33)
 ج – ظهائر علوية حول بعض السواقي و المياه بمراكش (34)
 4-اعتبارا لطبيعة مناخ المدينة، وحاجة الناس المستمرة للمياه، فقد كان ثمن الماء مرتفعاً، ويمكن التعرف إلى ذلك من خلال هذه الأمثلة التي تبين أن نوبة أو نصف نوبة (أي جزء من ماء الساقية أو عين ) يساوي و يتجاوز أحيانا – ثمن دار أو مصنع للصابون أو حانوت تجارية: 

 

العقار

الثمن

التاريخ

العقار المقارن

الثمن

التاريخ

نصف نوبة من ماء جنان التوايز

250 مثقال

1236 هـ

     

نوبة من عين هنتانة

نوبة عين الصواف

380 مثقال

429 مثقال

1266 هـ

1267 هـ

حانوت قشاشية بزاوية الخضر

دار بزاوية الخضر

425مثقال

250مثقال

1255هـ

1268هـ

نصف نوبة من ماء التوايز

450 مثقال

1282 هـ

دار بزاوية الخضر

نصف دار الصابون

دبليجان ذهبيان

قفطان حرير

زربية

 

124مثقال

500مثقال

35 مثقال

7 مثقال

3مثقال

1280هـ

1282هـ

1290هـ

-

-

 


 تحديث الأساليب:
 مع تفتح المغرب على الصناعات الأوربية ورغبته في الاستفادة من أسباب التقدم والنمو (إرسال البعثات إلى الخارج، اقتناء التجهيزات الأساسية) بدت ضرورة تحديث الأساليب وجعلها في مستوى نمو السكان وطموحات السلاطين، وقد مر هذا التحديث بثلاث مراحل:
 المرحلة الأولى: تحديث الأساليب العتيقة:
*  بإعادة ترميم و صيانة الخطارات في حملات واسعة النطاق خاصة وأنها لا تتعرض للسرقة أو التبخر.
*  ترصيف السواقي للتخفيض من نسبة الماء الضائع، اتخذت ساقية تبوهنيت نموذجا سنة 1932. فتحول الضياع من %30 إلى %6.
 المرحلة الثانية: السدود:
 هي أنجع وسائل جمع الماء وتوزيعه سواء منه ماء الري أو الاستهلاك الصناعي، والماء الشروب، وقد تبينت هذه الأهمية في العقود الأخيرة وقد فكرت سلطات الحماية في بناء سد على وادي نفيس لري قسم من الحوز منذ سنة 1926 وتم إنجازه فعلاً سنة 1935 وهو سد للاتكركوست ( Cavagnac) وبلغ طول السواقي المجهزة 112 كلمتر، تضاف إلى 140 كلمتر الموجودة بالحوز من قـــــبل.(35)
 تضاف إليه سدود صغرى أقل أهمية:
- سد للخزن قرب تحناوت: يمد ساقية تاولوكوت، والساقية الباشية.
- سد للخزن على وادي وريكة: يمد ساقية تاسلطانت.
 وبموازاة تشييد السدود أصدرت سلطات الحماية قوانين تنظم الري وتوزيع الماء مع إعطاء امتيازات للمعمرين قصد تزويدهم بالمياه اللازمة لاستغلال الأراضي الممنوحة لهم بالمنطقة خاصة بعد سلسلة من الاحتياجات الصادرة عن تجمعاتهم العامة المعقودة سنة 1926 بالضيعة التجريبية في المنارة. فأصدرت قوانين تنظم مياه أودية:
* نفيس بين 1926 و1929
* غيغاية بين 1926 و1927
* وريكة سنة 1926.
* أما وادي الزات فقد منع الكلاوي السلطات من التدخل فيه(36) وقد أثارت هذه التشريعات تذمراً في أوساط القبائل التي تعيش في المنطقة خاصة قبائل وريكة، مسفيوة وغيغاية.
وبحصول المغرب على استقلاله تضاعف الاهتمام بتشييد السدود، سد آيت عادل، سد آيت شواريت ... مع ما يرافق ذلك من تجهيز الأراضي والسواقي (روكاد) لحسن توزيع الماء.
 وهي السياسة التي ترعاها الدولة لتحقيق الاكتفاء الذاتي.
- المرحلة الثالثة: الآبار المزودة بالمحركات والمضخات و أذرع الرش الحديدية: تزامنت مع المرحلة السابقة:
 أ – وكانت موجهة في بداية الأمر لتزويد المدينة بالماء الشروب خاصة بعد بناء حي كليز، وحاجة الصناعات المنشأة في المدينة إلى الماء: تم الشروع في تنظيم أسلوب التوزيع على الدور والمؤسسات الحبسية لأن الأسلوب العتيق غير صالح ولا ملائم للتطور الذي عرفته المدينة. فوقع الاتفاق بين التهامي الكلاوي باشا مراكش، ورئيس المجلس البلدي المكلف بأمور المدينة بموافاته الصدر الأعظم     والمقيم العام لدى الدولة الشريفة بين السيد محمد الملاخ ناظر الأحباس الكبرى، والسيد محمد بن عبد الله ناظر الأحباس الصغرى، والحاج إدريس الورزازي ناظر الأحباس العباسية موافقة بينهم، كل منهم متكلم عما      هو موظف فيه عملاً بمقتضى الظهير الشريف المؤرخ في 6 شوال عام 1334هـ.(37) 
 ويشتمل الاتفاق على فصول، من مقرراتها:
- أن تدفع الأحباس للبلدية 12 ألف بسيطة (كذا) مقابل الإصلاح والترميم قابلة للتجديد كل ثلاث سنوات ابتداء من سنة 1916م.
- على أن ترفع البلدية الماء للدور والمساجد والأضرحة والسقايات العمومية.
- تحددت لائحة المؤسسات الحبسية التي يشملها الاتفاق.
- وقبلت البلدية أن تزيد في عدد السقايات ومراكز التوزيع إذا زاد الماء في العيون.
- العيون التي شملتها الاتفاقية هي العيون الحبسية التالية:
عين المواسين- عين البركة- عين القبة.
- تتكون الاتفاقية من أربعة ملاحق تحدد المؤسسات التي يشملها التوزيع:
الملحق الأول
فصل أول: الأضرحة والمساجد والزوايا التي يبلغها ماء الأحباس، عددها 82.
فصل ثان: الميضات: 77 تحتوى على 554 مطهرة.
فصل ثالث: الأسجان والمارستانات: 3 ( دار الثقة، سجن قاعة بناهض، مرستان بالسوق).
الملحق الثاني
فصل أول: السقايات العمومية الجاري إليها ماء الأحباس: 87.
فصل ثاني: السقايات العمومية الجاري إليها ماء المخزن: 11.
الملحق الثالث
فصل أول: الحمامات الداخل إليها ماء الأحباس: 24.
فصل ثان: الغسائل الداخل إليها ماء الأحباس: 4 بها عدد من الصهاريج.
فصل ثالث: الديار و الفنادق الحبسية: 8.
فصل رابع: الأجنة والعراصي الجاري إلها الماء: 6.
الملحق الرابع
 فصل أول: الدور الخاصة و الرياضات: 17.
 فصل ثان: الأجنة 3.
 فصل ثالث: أملاك الأهالي: دور ورياضات 49.
 فصل رابع: الأجنة والعراصي: 1.
 وتبين أن ماء الأحباس المتفق عليه غير كاف حتى للمدينة القديمة، لذلك شرع في حفر آبار على الضفة اليمنى لوادي غيغاية في منطقة بوزكاغ وذلك سنة 1924. وجر الماء إلى الخزانات ومحطة المعالجة والمراقبة بواسطة قنوات من الإسمنت، ومع ارتفاع عدد السكان تضاف الخزانات والآبار.
 ب – وبالنسبة للري: كان الاعتماد على الآبار المزودة بمحركات بنزينية أو كهربائية. ويلاحظ أنها كثرت غرب المدينة، حيث تقل وسائل الري العتيقة (الخطارات)، ولنزول المعمرين بها بكثرة وهي، تاركة، السويهلة، والمرابطين فبلغ صبيب الماء فيها بين 20 و100 لتر في الثانية.
 وعن طريقها تركزت فلاحة صناعية وتصديرية في المنطقة: الورود، الزيتون، المشمش، الحوامض والعنب...
 ج – استمرت نفس السياسة بعد استرجاع أراضي المعمرين بالمنطقة، وإعادة توزيع أراضي القواد على التعاونيات الفلاحية، وتكوين شركات للاستغلال والإنتاج (38) مع تجريب بعض الأساليب الحديثة للري: نموذج الأذرعة الحديدية الطويلة للرش.
 وبعد، فإن المغرب يستعد لدخول القرن الواحد والعشرين، وعدد المغاربة سيبلغ أربعين مليونا، بما يتطلبه ذلك من:
- تحسين وتجهيز لشبكات توزيع الماء الشروب.
- ورهان وسباق لتحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي لهذا كله وإلى جانب الدعوة إلى بناء سد كل سنة إلى حلول القرن الجديد -يجب التفكير في وسائل أخرى لتحقيق هذه المطامح حتى تبقى بلادنا- كما كانت دائماً بلاد الماء والخيرات، وخزاناً كبيراً للحبوب 
وهذا غير صعب على عبقرية أمتنا.


1) البيان المغرب 4/19
2) البيان المغرب 4/19
3) 210-209 souvenirs de Marrakech p.
4) أنظر في مناخ المدينة:
G/ Roux : les éléments du climat de la région de Marrakech.
- G. Deverdum : Marrakech des origines à 1912/ p/ 5-8.
5) بواسطة الإعلام لعباس بن ابراهيم 59/1.
6)  البيان المغرب 4/19.
7) البيان المغرب 4/19.
8) روض القرطاس 138.
9) وصف إفريقيا 43-44، انظر الإعلام للتعارجي عباس بن إبراهيم 58/1.
10) تحدث محمود على مكي عن خطارات مدريد، ونيسابور، ومرو، والمغرب، وقبرص في كتابه: مدريد العربية ص 1-57.
11) أنظر في نظام الخطارات:
- ladreit de la charrière :
les procédés d’irrigation dans la plaine de Marrakech la nature n° 1149-1910.
- Gueytat : les adductions d’eau de la cité de Marrakech 1913 en 53 p/
- De troussou : les rhétaras de Marrakech/ France Maroc 1919.
- P. Roche/ L’irrigation dans le sud du Maroc, 1946 en 18 p.
- Streek : les rhétaras. Encyclopédie de l’Islam 2/751-753.
                              Marrakech des origines à 1912 p. 15-16/86-87 (12)/
13) 113/1 – Le Haouz DE MARRAKECH
14)   113/1 – Le Haouz DE MARRAKECH
15) بن الشرقي  محمد : ارتسامات ومعطيات تاريخية حول مدينة مراكش 19-20.
16) انظر الأثمنة والتفاصيل في كناشة رقم 26 بالخزانة الحسنية بالرباط
17) الإستقصا 4/234.
18) حوالة أوقاف الزاوية العباسية بمراكش مخطوطات الخزانة العامة بالرباط، ميكرو فيلم 119.
19) حوالة أوقاف زاوية الجزولي ميكرو فيلم 125.
20) مجموعة وثائق خاصة بالزاوية.
21) بن الشرقي محمد ص 19-21. 
22) عن ورقات عن الحضارة المرينية لمحمد المنوني ص 304.
23) الإعلام لعباس بن ابراهيم  1/69 و79.
24) 197 – 195p 1912à  – Marrakech des origines
25) عن مسالك الأبصار، انظر ورقات عن الحضارة المرينية ،304 والإعلام 1/59
26) 12-11و 1912– Marrakech des origines à 
27) معجم البلدان ج 8/7 والإعلام 1/91.
28) الإعلام 1/92.
29) أخبار أبي العباس السبتي، في ذيل التشوق لابن الزيات، تحقيق أحمد التوفيق، نشر كلية الآداب الرباط 1984.
30) الإستقصا: 2/262-264 و 4/147 و 6/111-112.
 Marrakech des origines à 1912 p 599
-Famines et épidméles B.Rosemberger et H Triki Hesperis 1973 et 1947        
31) شمس المعرفة
32) محفظة وثائق، خاصة في مراكش.
33) مكاتبات شخصية ورسائل مخزنية حول الناحية الحوزية P.Pascon T2.
34) كناشة رقم 26 من مخطوطات الخزانة الحسنية بالرباط.
35) 504-2 le haouz de Marrakech
36) انظر مضامين هذه القوانين و التواريخ صدورها في كتاب:  le haouz de Marrakech
37) انظر نص الاتفاقية في ميكروفيلم الخزانة العامة بالرباط رقم 1091.