ذاكرة مراكش : حكايات من الحومة

 ها قلبي ها تخمامي ها باش ياتيني الله... ـ هاد البنت ديالك عندها التابعة وما عندها زهر... ـ ها العار أسي الفقيه إيلا ما جري معنا فهاد الدعوة، راه مسخوط الوالدين اللي واخدها مكرفس عليها ومشربها المرار... ـ اللي دار النية ما يخيب، غير تبّعي هاد "ألدون" اللي عطيتك وغادي تڭاد ليه تغاوسة ديالو... ثم تنحنح الفقيه "سي مبارك" بعد أن دس "الفتوح" في جيبه معلنا موعد انتهاء الزيارة، فعدلت "الحاجة" من وضع نقابها وخرجت بخطوات مهرولة رفقة "لالا خّْيتي" أمينة أسرارها ورفيقتها الدائمة في الحلـ نتا ديما مضيعنا وواكلنا في رزقنا، وجهناك لله تعالى... ـ ما تدير حسنة ما يطرا باس، لقيتي اللي يعطيك الجعبة وباقي تتنفخ على النعمة... ـ ماشي هادشي علاش تافقنا، ڭلتي ليا إيلا جبت ليك دوك الكليان غادي نعطيك القدة والقدة، وأنا دورتهم من البازار ديال الحاج (....) باش نجيبهوم حتال عندك... ـ الوقت عيانة أولد الناس، دير رزقك في جيبك وعطينا كمشة ديال التيساع (1)... ـ والله لا باقي شفتي كمارتي من اليوم... ـ سير لأرواس نتا ڭاع... انتهت مؤقتا فصول هذا الحوار الناري بين صاحب البازار الذي لا تتناسب أناقته الظاهرية مع بذاءة ألفاظه، والدليل السياحي غير الشرعي (الفوڭيد)، سيرا على ديدنهما الدائم في إنهاء تعاملاتهما ب "تامصيفت"، وذلك قبل أن يعودا ليصطلحا مجددا ويتكرر ذات المشهد في كلاكيت متجد ا

سترخى "الحاج إدريس" على كرسيه الوثير داخل حانوته بسوق السماطة بعد أن نقد "المتعلمين" أجرهم اليومي وانصرافهم إلى حال سبيلهم، ليعد الأرباح الوفيرة التي جناها من عمل يوم شاق... عاد شريط الذكريات بالحاج إدريس إلى أيام طفولته القاسية حين غادر مبكرا مقاعد الدراسة ليكد في أعمال شاقة تضمن له بالكاد قوت يومه، وكيف كافح بجهد ومرارة ليصنع لنفسه اسما داخل عالم قاس لا ترحم وحوشه البشرية براءة الطفولة ولا زهرتها، ثم كان الجزاء من جنس العمل بأن انتشعت الأحوال وتيسرت سبل المعيشة تدريجيا مع مرور الأعوام وتقدمه في السن إلى أن بلغ مبلغه من الراحة، لولا تفصيل صغير يقض مضجعه؛ فالحاجة لم تعد تروق للحاج إدريس لأنها "امرأة بلدية" أكثر من اللازم، لذلك فهو يفكر جديا في التعدد، شريطة أن يتم ذلك مع امرأة عصرية تناسب مقامه الاجتماعي الجديد، وفي منتهى السرية حتى لا "يسيق أولاده الخبار" وتصير

 مشت "سعاد" بخطوات كلها غنج ودلال مرتدية جلبابها الأسود نصف الضيق وهي تحمل "الوصلة" إلى فران الحومة، ولم تكد تنتصف طريقها في الدرب حتى صادفت عربة تجر عجلا سمينا كالديناصور ومن قِبَل العربة هدايا لا أول لها ولا آخر؛ تكاشط، شرابل، بلاغي نسائية متنوعة، قفاطن، مضمة من الذهب الخالص إلخ... التصقت سعاد بالحائط لأن الطريق بالكاد كان يسمح بمرور العربة التي كان زحام أهل العريس وراءها لا يطاق، واختلطت مشاعر الضيق هذه بالحنق لأن "سعاد" لم تكن من النساء اللواتي يتمتعن بموهبة وضع الوصلة على الرأس، وأحاسيس الغيرة لأن "فلانة" بنت سي فلان قد أتاها نصيبها فيما هي لم يجئها "زمانها" بعد وذلك على الرغم من كونها ترى نفسها أجمل من "فلانة" بمراحل عديدة... ـ سير أولدي مڭاد ونتا تتديڭل بحال اللي شارب الديڤان (2)... هكذا خاطب شيخ طاعن في السن قائد العربة الذي لم يلتفت إليه من الأساس، فيما واصلت "سعاد" طريقها نحو الفران بصعوبة ولم تكد تصل إليه حتى تعالت أصوات الدقايقية والطبالة من بيت الحاج فلان أبي العروس

ـ ـ دّاها ودّاها والله ما خلاها... ـ وا هيا لولاد...وا هيا...كونوا محزومين واهيا...كونوا مرزومين واهيا...والله اللي فرط واهيا...حتى نقطع بوطو واهيا...ونديرو زنانة واهيا...نتا تدي واحدة واهيا...وأنا ندي عشرة واهيا...عندي اليتامى عندي الموشومات (3) واهيا...عندي لوليدات... ـ وا شايب شايب شايب...وا شايب ع الغرايب...والله ماني شايب... باقي نطلع العڭبة... باقي ناخد العزبة... ـ وا هاه واه يا لالا...بنادم الزين من الوالدين يا لالا...وانا ثلاثة شاطوا مشاو في الباطو يا لالا...وا اللي قالوا ليك ما يدوموا ليك يا لالا...خليوني نمشي نوصلو ونجي يا لالا...سباط الزاز من التحت عواج يا لالا...ديروا يديكم الله يجازيكم يا لالا... ـ مولات الدفينة ويا التايهة علينا... غادية للمدينة غير شوفة تحيينا... شوفي فينا لالا حني علينا لالا وا هيا مولات الدفينة...فوق خدودها شي تفاح كل من شافو ما يرتاح...مصّاب (4) شوفة في صباح ما بين الورد ودلاح...وا هيا مولات الدفين

 ـ إيلا قالها إيلا قالها يڭد بيها...إيلا قالها إيلا قالها يڭد بيها...إيلا قالها كلمتو جمّاعة قدام الجماعة إيلا قالها... ـ هنيني يا وهنيني يا الميمة...هنيني ياه هنيني يا الميمة...هنيني يا نبيع ذهيبي ونرد حبيبي هنيني ياه... ـ وا خوكم آه وا خوكم يا البنات...وخوكم آه وخوكم ألعزاوي...وخوكم حط السلاح وجا يستاراح وخوكم آه... ـ وما يهتف ما يهتف غير اللي قيمتو كبيرة...وبناتو هايجات ديما...والزين داتو حليمة... وا قول لو...وا قول لو راح الليل أهياوينا...وا طالب ضيف الله... ـ أهايهوا يهواي...أها ها ها هو...أها ها ها هو...أها ها ها هو...أنا عبدك أنا

(1) كمشة من التيساع قبل عصر الأنوار النيباوية... (2) الديڤان هو الخمر بلهجة المراكشيين القدامى، وهو مصطلح مشتق من العبارة الفرنسية Du vin... (3) العذارى غير المتزوجات بعد... (4) فعل تمنى بمعنى يا ليت.