ذاكرة مراكش : الفقيه مسو

 ولد محمد بن عبد القادر العلوي الملقب عند المراكشيين بالفقيه مسّو بحومة رياض العروس وبالضبط بدرب سيدي بوعمرو نحو عام 1900، وتلقى تعليمه الأولي بالكتّاب القرآني لدرب أعرجان بحومة الرحبة القديمة حيث حفظ القرآن الكريم بالإضافة إلى العديد من المتون اللغوية والدينية، ليتحق بعدها بجامعة ابن يوسف حيث تتلمذ على يد مجموعة من الشيوخ الكبار نذكر منهم السادة العلاّمة مولاي امبارك العلوي الأمراني، وشيخ الجماعة العلامة الحاج العربي الرحماني البربوشي، والعلامة مولاي أحمد العلمي اليملحي، والعلامة مولاي إدريس السرغيني، والعلامة بوشعيب الشاوي...

كان الفقيه مسّو يعقد العديد من المجالس العلمية والوعظية في مساجد مراكشية متفرقة؛ حيث كان يدرّس التفسير والسيرة النبوية بمسجد حيّ درب ضباشي وبجامع الأشراف في حومة المواسين، والهمزية بمسجد سيدي أيوب... تحدث عنه المقرئ المراكشي الشهير "عمر القزابري" في تدوينة نشرها على صفحته الفيسبوكية بتاريخ 27 نونبر 2010 قائلا:

"عالم فريد، ومحاضر قدير، شخصية خاصة، نسيج وحده، مزاج متفرد، لايمكن أن يذكر العلم في مراكش دون أن يذكر هذا العالم الفذ له حكايات وطرائف ومواقف لازال أهل مراكش يذكرونها حتى يومنا هذا، سمعت عنه الكثير من والدي رحمه الله حيث كان من المواظبين على حضور مجالسه، وسمعت كذلك عنه من شيخنا الجليل مولاي أحمد أبو عبيدة الذي كان من كبار طلبته، فقد سألته عنه يوما فقال لي لم نر مثله في علمه وسعة اطلاعه..."

وأردف الشيخ القزابري في نفس التدوينة: " كان أغلب توجهه إلى الطبقة الشعبية، يعلمهم أمور دينهم، ويوسع مداركهم حتى يشاركوا في الحياة العلمية، كان فصيح الكلام مع نبرة شرقية، وتعبير جميل، ولفظ رشيق، وقوة استحضار، الشيء الذي جعل الناس يتزاحمون على مجالسه ويحرصون عليها. كان متميزا جدا، فلم يعلم في عصره مثله؛ رجاحة عقل، وبعد نظر وسعة خيال، وإتقانا لعلوم الآلة، فلا يترك مسألة نحوية أو بلاغية أو لغوية إلا وأفاض القول فيها وأعاد، وحكم القواعد والأصول وأبان عن عمق تفكيره، وسعة أفقه، وتمكنه بناصية القول. وهذا ما دفع الشيخ أبا شعيب الدكالي أن يقول فيه: "إن تكن شعلة في الحضرة المراكشية فهو محمد بن عبد القادر العلوي"...

إلى جانب هذا كله كان درب اللسان حاد الطبع لا يستطيع أحد أن يواجهه أو يتكلم في مجلسه. كان عالما لا يخاف في الله لومة لائم، لا فرق عنده بين غني وفقير، ورفيع ووضيع، وحاكم ومحكوم، وسيد ومسود، فقد كان متجردا عن المطامع، متعلقا بالله وحده. كان يفضح في دروسه مخططات الاستعمار ويندد بالأعمال والخروقات الخاطئة التي تمارسها، وكان يستغل دروسه لإيقاظ الرأي العام المراكشي لما يحاك حوله، كان كثير الانتقاد للباشا الڭلاوي في دروسه، وكان يعرض به كثيرا ويصفه بأوصاف لا تخلو من التنديد والاعتراض"...

توفي رحمه الله يوم الأحد 24 رجب لسنة 1376 هجرية الموافق لعام 1957 ميلادي على الساعة الثانية والنصف صباحا ببيت الشريف محمد بن إدريس الدراز رحمه الله، ودفن بروضة باب أغمات وصلى عليه الشيخ الرحالي الفاروقي، رحم الله الجميع.